روسيا تصوّت تحت أزيز المسيّرات: ما الذي يبحث عنه الكرملين في صناديق الاقتراع؟
شارك الخبر عبر واتساب
دخلت الانتخابات البرلمانية الروسية يومها الختامي، الأحد، في مشهد استثنائي: حرب متواصلة مع أوكرانيا، مسيّرات تصل إلى قلب العاصمة، وقيود متزايدة على القوى السياسية المناهضة للحرب. وبينما تتجه الأنظار إلى تركيبة البرلمان الجديد، يبدو أن ما يعني الكرملين يتجاوز توزيع مقاعد مجلس الدوما إلى ما هو أبعد: قياس حجم المشاركة الشعبية، واختبار قدرة النظام على الاحتفاظ بقاعدة تأييده في لحظة تتصاعد فيها كلفة الحرب داخل روسيا نفسها.
فهذه أول انتخابات لمجلس الدوما منذ انطلاق الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، ولذلك ربطها الرئيس فلاديمير بوتين مباشرة بالحرب وبالجنود الروس. وفي كلمة متلفزة قبيل الاقتراع، قال بوتين إن خيار الناخبين سيُظهر وقوف ملايين الروس خلف القوات المشاركة في الحرب، واصفاً المجتمع الروسي بأنه موحّد حول قيم وتاريخ ووطن مشترك. بهذا الخطاب، انتقلت الانتخابات من كونها استحقاقاً برلمانياً إلى استعراض لدرجة التماسك الداخلي في مواجهة الحرب.
ما الذي يراقبه الكرملين فعلاً؟
أهمية النتائج بالنسبة للقيادة الروسية لا تكمن في هوية الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد، فحزب “روسيا الموحدة” يحتل موقعاً مهيمناً في المشهد السياسي، ومن المتوقع وفق تقارير إعلامية أن يحافظ على نفوذه داخل الدوما. الأهم هو نسبة المشاركة، وحجم الأصوات التي يحصدها الحزب الحاكم قياساً بمنافسيه، ومدى قدرة السلطة على إثبات أن الحرب لم تُفضِ إلى انكماش واسع في المشاركة السياسية أو في قاعدة التأييد.
وكان “روسيا الموحدة” قد حصد في انتخابات 2021 أكثر من ثلثي مقاعد المجلس، محافظاً على سلسلة انتصاراته منذ وصول بوتين إلى السلطة عام 2000. وبالتوازي، أبقت السلطات خلال السنوات الأخيرة مساحة المعارضة المنظمة ضيقة، ما يجعل هذا الاستحقاق مختلفاً عن أي منافسة تقليدية تتصارع فيها رؤى متعارضة حول مستقبل الحرب والسياسة الخارجية.
تضييق على المنافسة المناهضة للحرب
تجسّد هذا التضييق بوضوح في وضع حزب “يابلوكو”، أحد أبرز القوى التي جاهرت بمعارضتها للحرب، إذ أفادت وكالة أسوشيتد برس بأنه مُنع من خوض الانتخابات على المستوى الوطني، فيما تعرّض عدد من السياسيين المناهضين للحرب للسجن أو النفي أو التقييد السياسي.
في المقابل، تضم ورقة الاقتراع أحزاباً مثل الحزب الشيوعي، والحزب الديمقراطي الليبرالي، و”روسيا العادلة”، و”أناس جدد” — وهي قادرة على منافسة الحزب الحاكم انتخابياً، لكنها لا تشكّل جبهة موحدة تطالب بإنهاء الحرب.
المحاربون القدامى.. نخبة جديدة في الصناعة السياسية
في موازاة ذلك، تسعى السلطة إلى إدخال الحرب نفسها إلى تركيبة النخبة السياسية. وذكرت أسوشيتد برس أن قرابة 200 مرشح خدموا في الحرب بأوكرانيا، فيما يروّج لهم الكرملين باعتبارهم جزءاً من “النخبة الحقيقية” الجديدة في البلاد.
هذا الصعود يحمل رسالة مزدوجة: تقديم الخدمة العسكرية كطريق إلى المكانة الاجتماعية والسياسية من جهة، وربط مستقبل الدولة بمن خاضوا المعارك من جهة أخرى. غير أن أسوشيتد برس لفتت إلى أن انتقال هؤلاء من المؤسسة العسكرية إلى المواقع السياسية لا يضمن لهم نفوذاً فعلياً داخل مؤسسات الحكم، إذ لا يصل إلى برامج الإعداد للحياة العامة سوى عدد محدود منهم، فيما يواجه بعضهم صعوبات حقيقية في الاندماج مجدداً بالحياة المدنية.
الاقتصاد.. الحاضر الغائب في الصناديق
بعيداً عن الخطاب القومي، يأتي الاقتراع في وقت يستشعر فيه الاقتصاد الروسي وطأة الحرب والعقوبات والإنفاق العسكري. وترى مؤسسة “نيست” البحثية، وفق ما نقلته رويترز، أن آثار الحرب باتت أكثر حضوراً داخل المجتمع، وأن تراكم القلق والإحباط قد يدفع بعض الناخبين نحو أحزاب المعارضة النظامية المدرجة على ورقة الاقتراع، وتحديداً الحزب الشيوعي و”أناس جدد”.
لكن رويترز نبّهت في الوقت ذاته إلى أن هذه الأحزاب كثيراً ما تصوّت إلى جانب “روسيا الموحدة” في القضايا الكبرى، ما يعني أن أي ارتفاع في حصتها من الأصوات يحتاج قراءة منفصلة عن مسألة التأييد للحرب؛ فقد يعكس اعتراضاً على أوضاع اقتصادية أو اجتماعية، دون أن يرقى بالضرورة إلى رفض سياسي شامل لسياسات الكرملين.
ملف يتجاوز حدود البرلمان
للمرة الأولى في انتخابات الدوما، وسّعت موسكو عملية التصويت لتشمل سكان مناطق دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا التي أعلنت ضمها خلال الحرب، إضافة إلى شبه جزيرة القرم، وأعلنت السلطات الروسية أن المناطق الأربع تضم أكثر من 3.5 مليون ناخب.
غير أن أوكرانيا رفضت تنظيم التصويت هناك ودعت إلى عدم الاعتراف بنتائجه. وأشارت صحيفة الغارديان إلى أن كييف ترى في الخطوة محاولة لترسيخ السيطرة الروسية على أراضٍ تطالب بها، فيما أفادت تقارير بممارسة ضغوط على بعض السكان للمشاركة. أما موسكو، فتصرّ على أن هذه الانتخابات جزء طبيعي من نظامها الانتخابي.
وفي المقابل، أكدت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أن نتائج أي انتخابات تنظمها روسيا في الأراضي الأوكرانية المحتلة لا تتمتع بأي صلاحية بموجب القانون الدولي، وأن تنظيم التصويت هناك يتناقض مع سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها المعترف بها دولياً.
انتخابات بلا عيون دولية
لم توجّه روسيا دعوة لمراقبي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لمتابعة الاقتراع، وهو ما اعتبرته المنظمة مخالفاً لالتزامات قطعتها الدول الأعضاء في وثيقة كوبنهاغن لعام 1990، محذّرة من أن غياب الرقابة الدولية المستقلة يقوّض الشفافية والثقة بالعملية الانتخابية.
وأوضحت المنظمة أن هذه هي ثالث عملية انتخابية وطنية متتالية في روسيا تعجز عن مراقبتها، بعد رئاسيات 2024 وبرلمانيات 2021، مشيرة إلى قيود إضافية على المشاركة السياسية، من بينها تلك المفروضة على المصنّفين “عملاء أجانب”، وتشديد قواعد تمويل الحملات، وتضييق قدرة الأحزاب والمرشحين على تعيين ممثلين لهم في مراكز الاقتراع.
وتحضر التكنولوجيا بقوة في هذا الاستحقاق، بعد اعتماد روسيا التصويت الإلكتروني إلى جانب الاقتراع التقليدي. وقال مسؤولون روس إن نظام التصويت الإلكتروني في موسكو تعرّض لهجمات سيبرانية خلال العملية الانتخابية، واتهمت السلطات جهات أوكرانية بمحاولة التأثير على سير التصويت.
هجوم المسيّرات في اللحظات الأخيرة
وفي الساعات الختامية للانتخابات، تعرّضت موسكو لهجوم واسع بالمسيّرات الأوكرانية، وصفه رئيس بلدية العاصمة سيرغي سوبيانين بأنه الأكبر من نوعه حتى الآن. وأعلنت السلطات الروسية مقتل شخصين في منطقة موسكو وإصابة آخرين، إلى جانب أضرار لحقت بمصفاة نفط ومنشآت أخرى.
ونقلت أسوشيتد برس عن مسؤولين روس أن أكثر من ألف مسيّرة أُطلقت باتجاه روسيا، منها نحو 450 نحو موسكو. وقال سوبيانين إن الهجوم استهدف تعطيل الانتخابات، فيما لم تقدّم كييف في التغطية الأولية أي تأكيد للرواية الروسية بشأن الهدف السياسي المباشر للضربة.
وجاء هذا الهجوم في اليوم المفترض أن ينتهي فيه التصويت، ليضيف بعداً أمنياً إلى عملية انتخابية تحاول موسكو تقديمها دليلاً على استمرار مؤسسات الدولة في أداء عملها رغم الحرب.
ماذا بعد إغلاق الصناديق؟
مع انتهاء التصويت، تنتقل المعركة من الشعارات إلى الأرقام. فنسبة المشاركة، وحصة “روسيا الموحدة”، وأداء بقية الأحزاب، والتباينات بين المناطق، ستكون المؤشرات التي تُقرأ من خلالها حال المجتمع الروسي بعد أكثر من أربعة أعوام على اندلاع الحرب الشاملة.
وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية، وفق رويترز، أن نسبة المشاركة تجاوزت 45 بالمئة بحلول أواخر صباح الأحد، على أن تبدأ النتائج الأولية بالظهور مساء اليوم نفسه، وتتبلور الصورة الأوضح في اليوم التالي.
لكن قيمة هذه الأرقام لن تتحدد بهوية الفائز بأكبر عدد من المقاعد وحدها. فبالنسبة للكرملين، ستكشف الانتخابات مدى نجاحه في ثلاثة اختبارات متوازية: الحفاظ على المشاركة السياسية، وإدماج المحاربين في صورة النخبة الجديدة، وإبقاء الاستياء الاقتصادي داخل حدود المنافسة التي يسمح بها النظام.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه نتائج الدوما ليس: من فاز بأكبر عدد من المقاعد؟ بل: كيف ستوظّف القيادة الروسية هذه الأرقام في إدارة المرحلة المقبلة من الحرب، وفي مخاطبة مجتمعها بشأن كلفتها ومستقبلها؟