مقعد بلا مدرسة: كيف يتقلّص تعليم اللاجئ الفلسطيني في لبنان مدرسةً تلو الأخرى؟
شارك الخبر عبر واتساب
الخبر
قبل ساعات من انطلاق العام الدراسي الجديد، لا يزال أمام مكتب «أونروا» في طرابلس اعتصامٌ لم يُفضّ بعد. نفّذت لجنة أهالي طلاب مدرسة رفح، إلى جانب الفصائل واللجان الشعبية الفلسطينية في المدينة، اعتصاماً مفتوحاً أمام مكتب مدير الوكالة، وأعلن المعتصمون تمسّكهم ببقاء المدرسة ومواصلة تحركاتهم السلمية، بينهم من قرر التوجّه صباحاً إلى المدرسة برفقة أبنائه في خطوة رمزية لتأكيد رفض الإغلاق.
كانت الوكالة قد أعلنت إنهاء العمل بمدرسة رفح في مدينة طرابلس شمالي لبنان وإعادة توزيع طلبتها على مدارس أخرى، مع التوجّه نحو إغلاق مدرسة البيرة في مخيم برج البراجنة في بيروت، إضافة إلى حديث بشأن تقليص بعض برامج مركز سبلين للتدريب المهني والتقني.
أما الترتيبات البديلة، فأعلنتها «أونروا» بالتفصيل: استيعاب معظم طلاب رفح القادمين من مخيم البداوي في مدارس الوكالة داخل المخيم، ونقل طلاب مخيم نهر البارد إلى مدارس الوكالة هناك، واستيعاب نحو 140 طالباً وطالبة من المقيمين في طرابلس في مدرسة اللد القريبة، مع تأكيد أن أي طالب لن يُترك من دون تعليم، وأن أياً من معلمي المدرسة وموظفيها لن يفقد وظيفته. وستحمل مدرسة اللد بعد ضمّ الطلاب إليها اسم «مدرسة اللد–رفح»، فيما أوضحت الوكالة أن عقد إيجار مبنى مدرسة البيرة قد انتهى، ولذلك سيلتحق طلابها بمبنى مدرسة القدس بالتزامن مع البحث عن مبنى جديد.
وتعرض الوكالة في المقابل ما تصفه بتحسينات موازية. ففي بيان أصدره برنامج التعليم لمجتمع لاجئي فلسطين في شمال لبنان في 27 آب/أغسطس حول التحضير للعام الدراسي 2026–2027، أشارت إلى تأهيل مدرستي جنين ونهر الأردن في مخيم البداوي، وتوسيع مبنى مدرسة بطوف الابتدائية للبنات في المخيم نفسه عبر إضافة 15 صفاً دراسياً وملعب على سطح المبنى ومصعد لتحسين وصول الطلاب ذوي الإعاقة، بما يتيح استيعاب عدد أكبر من الطلاب وتقليص الاكتظاظ.
لكن هذا التبرير لم يقنع الشارع الفلسطيني في الشمال. فقد أعلنت الفصائل واللجان الشعبية في بيان لها رفضها القاطع للقرار، معتبرة أن الإغلاق لا يمكن التعامل معه كإجراء إداري عادي، وأنه يأتي ضمن سياسة متواصلة قوامها دمج المدارس وتقليص الخدمات وإغلاق المراكز، وسبق للجان الشعبية أن اعترضت خلال لقاء مع مدير منطقة الشمال في الوكالة أسامة بركة، محذّرة من الأعباء التي سيتحملها الأهالي ولا سيما تكاليف النقل، فيما رفضته رابطة بيت المقدس لطلبة فلسطين في لبنان محذّرة من زيادة الاكتظاظ المدرسي. ويقول أمين سر الفصائل واللجان الشعبية في الشمال، القيادي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عاطف خليل، إن القرار “غير مقبول”، لما يترتب عليه من حرمان الطلاب من التعليم في بيئة مدرسية قريبة من أماكن سكنهم.
وفي الاعتصام نفسه يتكرّر معنى لا تقيسه جداول الوكالة. يقول أحد المعتصمين إن مدرسة رفح ليست مجرد صرح تعليمي، بل مساحة تجمع أبناء منطقة الميناء من الفلسطينيين واللبنانيين معاً، وتشكّل جزءاً من الذاكرة الاجتماعية لعائلات تعاقبت أجيالها على الدراسة فيها، مشيراً إلى أن أعمامه وعمّاته ووالديه درسوا وتخرّجوا منها قبل أن يلتحق بها هو وأبناء جيله.
ما وراء الخبر
المعركة ليست على مبنى واحد، بل على نمط بدأ يتّضح. فبعد إغلاق رفح والإعلان عن إغلاق البيرة، تصاعدت التحذيرات الفلسطينية من أن تتحوّل هذه الإجراءات إلى مسار متواصل لتقليص الخدمات التعليمية المقدّمة للاجئين. وتتعاظم المخاوف من نقل مدرسة القدس في برج البراجنة من موقعها الحالي بعد قرب انتهاء عقد المبنى في نهاية عام 2026 — أي أن المدرسة التي استُقبل فيها طلاب البيرة كحلٍّ بديل، هي نفسها مهدّدة بعد أشهر.
وتتقاطع هذه القرارات مع لحظة اقتصادية خانقة. فوفق المسح الاجتماعي والاقتصادي للأونروا المستند إلى بيانات جُمعت بين أواخر 2022 ومطلع 2023، بلغت نسبة الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان 83 بالمئة، أي أن أربعة من كل خمسة يعيشون تحت خط الفقر، فيما بلغت البطالة 32.3 بالمئة، وارتفعت بين الشباب إلى 41.7 بالمئة للفئة بين 15 و19 عاماً و45 بالمئة للفئة بين 20 و29 عاماً. في مجتمع بهذه الأرقام، لا تكون “تكلفة نقل إضافية” تفصيلاً هامشياً، بل قد تكون الفارق بين استمرار الطالب بالمدرسة أو تسرّبه منها.
المفارقة الجوهرية أن الطرفين يتحدثان بلغتين مختلفتين: الوكالة تتحدث بلغة المقاعد والكفاءة التشغيلية — كم طالباً استُوعب، وكم صفاً أُضيف. والأهالي يتحدثون بلغة المكان والانتماء — مدرسة على مسافة مشي، يعرفون مدرّسيها، ودرس فيها أهلهم قبلهم. الوكالة قد تكون محقّة حسابياً وخاسرة اجتماعياً في الوقت نفسه.
ما لم يُقَل
هناك أسئلة لم تُجب عنها أي من الجهتين حتى الآن، وهي ما يجب أن يُبنى عليه استكمال هذا الملف ميدانياً:
– العدد الحقيقي للمتأثرين: أُعلن عن نحو 140 طالباً من المقيمين في طرابلس، لكن العدد الإجمالي لطلاب مدرسة رفح لم يُنشر بوضوح، ولا توزيعهم النهائي بين البداوي ونهر البارد واللد.
– الاكتظاظ بعد الدمج: كم طالباً في الصف الواحد في مدرسة اللد ومدارس البداوي بعد استقبال الوافدين الجدد؟ هذا الرقم وحده يحسم ما إذا كانت التوسعات المُعلنة كافية فعلاً.
– كلفة النقل على الأسرة: لم يُعلن أي بدل مواصلات أو آلية دعم للعائلات التي صارت مدرستها أبعد.
– الأثر على البنات تحديداً: في بيئات محافظة، بُعد المدرسة يؤثر على التحاق الفتيات أكثر من الفتيان — ولم يُطرح هذا البعد في أي بيان.
– مصير المبنى: ما الذي سيحلّ بمبنى مدرسة رفح في الميناء؟ هل هو مملوك أم مستأجر؟ ومن يتحمّل قرار إنهاء العقد؟
– الخلفية المالية: كل الترتيبات تُقدَّم بوصفها “تنظيمية”، دون ربط علني بأزمة تمويل الوكالة، رغم أن النقاش داخل أوساط اللاجئين يدور أساساً حول الضغوط المالية وانعكاسها على مستوى الخدمات.
– ذوو الإعاقة: أُعلن عن مصعد في مدرسة بطوف، لكن لا معلومات عن الطلاب ذوي الإعاقة الذين كانوا في رفح ومدى ملاءمة مدارسهم الجديدة لهم.
ما التالي
اليوم التالي مباشرة هو الاختبار الأول: حدّدت الأونروا 21 أيلول موعداً لبدء العام الدراسي في مدارسها بلبنان، وقد أعلن الأهالي نيّتهم التوجّه إلى مدرسة رفح مع أبنائهم في خطوة اعتراضية. المشهد عند باب المدرسة صباحاً هو الذي سيحدّد ما إذا كان الملف سيتحوّل من احتجاج إلى أزمة مفتوحة.
المحطة الثانية: نهاية 2026 — موعد انتهاء عقد مبنى مدرسة القدس، وهو ما سيكشف إن كان ما جرى إجراءً منفرداً أم حلقة في سلسلة.
المحطة الثالثة: مركز سبلين — الحديث عن تقليص برامجه يمسّ التدريب المهني، أي الباب الأخير المتاح أمام شباب لا يملكون حق العمل في عشرات المهن.