الانتخابات الفلسطينية أمام احتمال التأجيل
شارك الخبر عبر واتسابتواجه الانتخابات الفلسطينية احتمالاً متزايداً بالتأجيل في ظل تداخل عوامل داخلية وخارجية متعددة. وتشمل العوامل الخارجية المعيقات الإسرائيلية المباشرة التي يمكن أن تحد من إمكانية إجراء انتخابات حرة وشاملة، ولا سيما في القدس، والضغوط الإسرائيلية الأوسع التي تؤثر في البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، بما فيها احتجاز واقتطاع أموال المقاصة، إلى جانب المواقف والتأثيرات الإقليمية والدولية المرتبطة بمستقبل قطاع غزة والنظام السياسي الفلسطيني وترتيبات المرحلة المقبلة.
وتتفاعل هذه العوامل مع أوضاع فلسطينية داخلية تتصل باستمرار الانقسام، وتراجع الثقة بالمؤسسات والقوى السياسية، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وعدم اكتمال جاهزية بعض الأطراف لخوض انتخابات مفتوحة النتائج والالتزام بمخرجاتها.
ولا تتعامل هذه الورقة مع التأجيل باعتباره قراراً محسوماً، وإنما باعتباره سيناريوً مرتفع الاحتمال ينبغي الاستعداد له من دون استباقه. فالمشكلة ليست في تغيير موعد الانتخابات لبضعة أشهر إذا تعذر إجراؤها فعلياً، وإنما في خطر تحول التأجيل المؤقت إلى مسار مفتوح يعمق أزمة الشرعية ويعيد إنتاج الوضع القائم.
وتنطلق الورقة من أن الشرعية السياسية الفلسطينية تمثل مركز الثقل في المرحلة المقبلة؛ فالانتخابات أداة لتجديدها، ووحدة المؤسسات تحميها، والإصلاح يعززها، والقبول الشعبي يمنحها مضمونها، بينما يستنزفها الاحتلال والانقسام وتراجع الثقة والتأجيل المفتوح.
وتبحث الورقة ثلاثة بدائل: المضي في الانتخابات في موعدها مهما كانت الظروف؛ المبادرة إلى تأجيلها استناداً إلى البيئة القائمة؛ أو مواصلة إجراءاتها واختبار إمكانية تنفيذها فعلياً، وتحميل إسرائيل والمجتمع الدولي مسؤولياتهما، ثم الانتقال، إذا ثبت التعذر، إلى تأجيل محدود ومسبب يرتبط منذ لحظة إعلانه بموعد جديد ملزم.
وتخلص الورقة إلى أن البديل الثالث هو الأكثر توازناً؛ لأنه يحافظ على مبدأ الانتخابات ولا يمنح إسرائيل أو أي طرف خارجي حق الفيتو على الديمقراطية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لا يتجاهل القيود الواقعية أو المشكلات الفلسطينية الداخلية.
وإذا أصبح التأجيل اضطرارياً، فإن الفترة الانتقالية ينبغي أن تستخدم لإنجاز الحد الأدنى الضروري لضمان انتخابات قابلة للتنفيذ والمنافسة والقبول، لا أن تتحول إلى مرحلة مفتوحة يشترط خلالها حل جميع أزمات النظام السياسي قبل العودة إلى صناديق الاقتراع؛ على أن تتولى المؤسسات المنتخبة استكمال عملية الإصلاح وإعادة البناء.
⸻
أولاً: المشكلة السياساتية
السؤال لم يعد فقط:
هل ستجرى الانتخابات في موعدها أم ستؤجل؟
بل أصبح:
ما الخيار الفلسطيني الأكثر قدرة على التعامل مع احتمال تعذر إجراء الانتخابات في موعدها، من دون تكريس التأجيل المفتوح أو منح إسرائيل والخارج حق الفيتو، وبما يحافظ على القدرة الفلسطينية على تجديد الشرعية ووحدة النظام السياسي؟
إن حصر القضية في موعد الانتخابات يقلل من طبيعة الأزمة. فالنظام السياسي الفلسطيني يواجه مشكلة أوسع تتعلق بتآكل الشرعية، وتعطل المؤسسات المنتخبة، واستمرار الانقسام، وتعدد مراكز القرار، وتراجع ثقة المواطنين، بالتوازي مع تصاعد السياسات الإسرائيلية التي تقوض إمكانية تجسيد الدولة الفلسطينية.
ومن ثم، فالانتخابات ليست حدثاً إجرائياً منفصلاً، وإنما إحدى أدوات إعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعيته.
⸻
ثانياً: الشرعية باعتبارها مركز الثقل
تتمثل القضية الاستراتيجية الأهم في قدرة النظام السياسي الفلسطيني على إنتاج الشرعية وتجديدها والمحافظة عليها.
فالشرعية لا تنتج من الانتخابات وحدها، لكنها لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية من دون انتخابات ومشاركة سياسية ومساءلة ومؤسسات فاعلة.
وتقوم الشرعية الفلسطينية في المرحلة الراهنة على عناصر مترابطة: التمثيل الشعبي، ووحدة المؤسسات، وسيادة القانون، والكفاءة والإنجاز، والتوافق الوطني، والقدرة على الدفاع عن الحقوق والمصالح الوطنية.
لذلك فإن أي سياسة تتعلق بالانتخابات أو تأجيلها ينبغي تقييمها وفق سؤال أساسي:
هل تعزز قدرة النظام السياسي على استعادة الشرعية وتجديدها، أم تزيد من استنزافها؟
ومن هذا المنطلق، لا يصبح التأجيل خطراً لمجرد تغيير الموعد، وإنما عندما يتحول إلى بديل عن الانتخابات أو وسيلة لإدامة الوضع القائم.
⸻
ثالثاً: البيئة السياسية المحيطة
تجري التحضيرات للانتخابات في بيئة استثنائية لا يمكن اختزالها في موقف طرف واحد أو عائق فني محدد، وإنما تتشكل من تفاعل أربعة مستويات رئيسة:
1. المعيقات الإسرائيلية المباشرة للعملية الانتخابية
تمتلك إسرائيل، بحكم الاحتلال وسيطرتها الفعلية على الأرض والمعابر والحركة، قدرة مباشرة على التأثير في إمكانية إجراء الانتخابات وشمولها.
ويبرز في مقدمة هذه المعيقات الموقف من إجراء الانتخابات في القدس الشرقية ومشاركة المقدسيين فيها، بما يحمله ذلك من أبعاد سياسية وسيادية تتجاوز المسألة الفنية.
كما تشمل المعيقات المحتملة القيود على حركة لجنة الانتخابات وموظفيها والمرشحين والناخبين والمراقبين المحليين والدوليين، ونقل صناديق الاقتراع والحبر والمواد الانتخابية بين المناطق، وإغلاق الطرق والحواجز، والاعتقالات، ومنع الأنشطة والاجتماعات الانتخابية، إضافة إلى العمليات العسكرية والاقتحامات واعتداءات المستوطنين وما يمكن أن تخلقه من بيئة أمنية تحول دون منافسة حرة أو وصول المواطنين إلى صناديق الاقتراع.
ولا ينبغي افتراض تحقق جميع هذه المعيقات مسبقاً، بل اختبارها عملياً وتوثيقها إذا وقعت حتى تتحدد المسؤولية عن أي تعذر في إجراء الانتخابات.
2. الضغوط الإسرائيلية البنيوية على البيئة الفلسطينية
لا يقتصر التأثير الإسرائيلي على الإجراءات التي تستهدف العملية الانتخابية مباشرة، بل يمتد إلى البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي ستجري فيها الانتخابات.
ويأتي في مقدمة ذلك احتجاز واقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية، لما لذلك من تأثير في قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها، ودفع الرواتب، وتقديم الخدمات العامة، وفي حركة السوق والقطاع الخاص ومستويات الاستهلاك والدخل وفرص العمل.
ولا تقف تداعيات هذه الأزمة عند الجانب المالي، بل تمتد إلى المجتمع والمزاج العام؛ إذ يؤدي استمرار الضائقة الاقتصادية وعدم اليقين وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية إلى زيادة الشعور بعدم الاستقرار والإحباط، وإضعاف الثقة بالمؤسسات والقوى السياسية، والتأثير في اتجاهات الرأي العام والسلوك الانتخابي.
وتتفاعل أزمة المقاصة مع القيود على الحركة والتجارة والاستثمار، والاستيطان، واعتداءات المستوطنين، والعمليات العسكرية، بما يجعل العملية الانتخابية، إذا أجريت، تتم في بيئة تتعرض لضغط بنيوي متواصل.
ومن المهم التمييز بين العائق المباشر للانتخابات والضغط الذي يؤثر في البيئة التي تجري فيها الانتخابات. فاحتجاز أموال المقاصة لا يمنع فتح صندوق اقتراع بذاته، لكنه يؤثر بصورة عميقة في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، والثقة العامة، والقدرة المؤسسية.
3. المواقف والتأثيرات الإقليمية والدولية
ينبغي عدم وضع المعيقات الإسرائيلية والمواقف الإقليمية والدولية جميعاً تحت عنوان واحد هو «القيود الخارجية».
فالموقف السياسي أو التحفظ على توقيت الانتخابات لا يساوي عائقاً تنفيذياً يمنع إجراءها، كما أن الأطراف الدولية والإقليمية لا تتبنى بالضرورة مواقف متطابقة.
لذلك ينبغي تقييم موقف كل طرف وفق ثلاثة مستويات:
ما يعلنه رسمياً، وما يمارسه عملياً، وما يمتلكه من قدرة على التأثير في إجراء الانتخابات أو الاعتراف بنتائجها.
وتكتسب المواقف الدولية أهمية في قضايا عدة، من بينها الضغط لضمان إجراء الانتخابات في القدس، وحماية حرية العملية الانتخابية، وإرسال المراقبين، والتعامل مع النتائج أياً كانت، وموقف الأطراف الدولية من مشاركة القوى الفلسطينية المختلفة.
كما تتقاطع الانتخابات مع النقاش الإقليمي والدولي حول مستقبل قطاع غزة، وشكل الحكم فيه، ووحدة غزة والضفة الغربية، ودور السلطة الفلسطينية، وأي ترتيبات انتقالية سياسية أو أمنية مقترحة.
أما مصر فتحتل موقعاً خاصاً بحكم دورها في الحوار الفلسطيني، وعلاقاتها بمختلف الأطراف، وتأثيرها في ملف غزة، ما يجعل موقفها من الحوار الوطني وترتيبات المرحلة المقبلة عاملاً مهماً في البيئة السياسية المحيطة بالانتخابات، من دون اعتباره بحد ذاته قيداً على إجرائها.
وبذلك لا تتعامل الورقة مع «المجتمع الدولي» باعتباره كتلة واحدة، ولا تفترض وجود فيتو خارجي ما لم يظهر في موقف أو إجراء قابل للتوثيق.
4. الوضع الفلسطيني الداخلي والرأي العام
تتفاعل العوامل السابقة مع بيئة فلسطينية داخلية تعاني من استمرار الانقسام، وتراجع الثقة بالمؤسسات والقوى السياسية، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة تشكل موازين القوى، وعدم وضوح مدى استعداد جميع الأطراف لخوض انتخابات مفتوحة النتائج والقبول بمخرجاتها.
كما أن الأزمة الاقتصادية، الناتجة عن مجموعة من العوامل وفي مقدمتها القيود والسياسات الإسرائيلية واحتجاز أموال المقاصة، تؤثر في أولويات المواطن ونظرته إلى السلطة والقوى السياسية وجدوى العملية السياسية نفسها.
ومن هنا لا يمكن قراءة السلوك الانتخابي بمعزل عن الحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية للمجتمع الفلسطيني.
⸻
رابعاً: اختبار العوامل الإسرائيلية والخارجية والداخلية
بدلاً من الثنائية العامة بين «العامل الخارجي» و«العامل الداخلي»، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:
المعيقات الإسرائيلية المباشرة التي يمكن أن تحول مادياً دون إجراء انتخابات شاملة؛
الضغوط الإسرائيلية البنيوية والمواقف والتأثيرات الإقليمية والدولية التي تشكل البيئة المحيطة بالانتخابات؛
والعوامل الفلسطينية الداخلية المتعلقة بالانقسام والجاهزية والمنافسة والثقة وقبول النتائج.
ويتيح هذا التمييز تجنب خطأين متعاكسين: تحميل الاحتلال والخارج كامل مسؤولية المشكلات الفلسطينية الداخلية، أو التقليل من أثر الاحتلال وقدرته الفعلية على تعطيل العملية الانتخابية والتأثير في البيئة التي تجري فيها.
ويبقى الاختبار التحليلي قائماً:
لو توفرت ضمانات فعلية لإجراء الانتخابات في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وأزيلت المعيقات المباشرة أمام عمل لجنة الانتخابات والمرشحين والناخبين، فهل ستكون الأطراف الفلسطينية الأساسية جاهزة لإجراء الانتخابات والقبول بنتائجها؟
إذا لم تكن الإجابة إيجابية، فهناك مشكلة فلسطينية داخلية مستقلة ينبغي مواجهتها.
أما إذا استكملت الجاهزية الفلسطينية ووقع تعطيل إسرائيلي موثق، فإن المسؤولية عن تعذر الانتخابات تصبح أكثر وضوحاً.
⸻
خامساً: اختبار الموقف الإسرائيلي بدلاً من افتراضه
المبادرة الفلسطينية إلى التأجيل قبل استنفاد الإجراءات المطلوبة قد تنقل كلفة القرار من الاحتلال إلى الفلسطينيين أنفسهم.
لذلك ينبغي مواصلة التحضير، وتقديم المتطلبات اللازمة رسمياً، والمطالبة بحرية عمل لجنة الانتخابات والمراقبين، وحركة المرشحين والناخبين، ونقل المواد الانتخابية، وضمان إجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية.
وتكتسب القدس أهمية خاصة باعتبارها اختباراً سياسياً وسيادياً، وليس مجرد مسألة فنية تتعلق بمراكز الاقتراع. فمشاركة المقدسيين جزء من وحدة الأرض والتمثيل السياسي الفلسطيني.
كما ينبغي مطالبة المجتمع الدولي مسبقاً بتحمل مسؤولياته في ضمان انتخابات حرة ونزيهة واحترام نتائجها.
فإذا استكملت الاستعدادات الفلسطينية وقامت إسرائيل بالتعطيل الفعلي، تتحول القضية من:
تأجيل فلسطيني للانتخابات
إلى:
تعطيل الاحتلال لانتخابات فلسطينية جاهزة للتنفيذ.
وهذا الفارق جوهري في تحديد المسؤولية وإدارة الرواية السياسية والدبلوماسية.
⸻
سادساً: الحسابات الفلسطينية الداخلية
لا ينبغي استخدام العامل الخارجي لإخفاء المشكلات الداخلية.
فالانتخابات تأتي في ظل إعادة تشكيل محتملة لموازين القوى، وتحديات تنظيمية داخل القوى السياسية، واحتمالات تعدد القوائم والتحالفات، وتحولات في اتجاهات الرأي العام، إضافة إلى تأثير قيادات وشخصيات ذات حضور سياسي وشعبي في الخريطة الانتخابية وموازين القوى داخل حركة فتح وخارجها.
لكن هذه الاعتبارات، على أهميتها، لا ينبغي أن تصبح مبرراً لتأجيل مفتوح.
فالقاعدة الديمقراطية تقتضي ألا ترتبط الانتخابات بضمان نتائجها مسبقاً، وإنما بتوفير قواعد عادلة للمنافسة والتزام الأطراف باحترام نتائجها.
ويمكن استخدام الفترة السابقة للانتخابات لمعالجة الانقسامات وترتيب الأوضاع الداخلية للقوى المختلفة، ولكن من دون تغيير قواعد المنافسة أو توظيف مؤسسات الدولة لإعادة هندسة البيئة الانتخابية لمصلحة طرف بعينه.
⸻
سابعاً: معايير تقييم البدائل
تُقيّم البدائل السياساتية وفق خمسة معايير:
حماية الشرعية: مدى مساهمة الخيار في تجديد الشرعية وعدم زيادة تآكلها.
وحدة النظام السياسي: مدى قدرته على المحافظة على وحدة التمثيل والمؤسسات بين القدس والضفة وغزة.
القابلية للتنفيذ: مدى واقعية تطبيقه في البيئة السياسية والأمنية القائمة.
توزيع المسؤولية والكلفة السياسية: مدى قدرته على التمييز بين المسؤولية الفلسطينية عن الجاهزية وإدارة العملية، والمسؤولية الإسرائيلية عن أي تعطيل مباشر، ودور الأطراف الإقليمية والدولية في تسهيل الانتخابات أو ممارسة الضغوط بشأنها.
مخاطر الاستدامة السلبية: مدى احتمال تحول الإجراء المؤقت، ولا سيما التأجيل، إلى وضع دائم يعيد إنتاج الأزمة.
وبهذه المعايير ينبغي الحكم على البدائل، لا انطلاقاً من مصلحة انتخابية آنية لأي طرف.
⸻
ثامناً: البدائل السياساتية
البديل الأول: المضي في الانتخابات في موعدها مهما كانت الظروف
يحافظ هذا الخيار على الموعد السياسي، ويجنب النظام الفلسطيني كلفة تأجيل جديد، ويؤكد حق المواطنين في اختيار ممثليهم.
لكنه قد يصبح غير قابل للتنفيذ إذا مُنعت مشاركة القدس، أو تعطلت حرية عمل اللجنة والمرشحين والناخبين، أو تعذر إجراء الانتخابات في أجزاء أساسية من الأراضي الفلسطينية.
كما أن انتخابات منقوصة جغرافياً أو سياسياً قد تضعف هدف توحيد النظام السياسي بدلاً من تحقيقه.
التقييم: قوي من حيث حماية مبدأ الانتخابات، لكنه قد يكون ضعيفاً من حيث القابلية للتنفيذ ووحدة العملية إذا وقعت معيقات جوهرية.
البديل الثاني: المبادرة إلى التأجيل
يوفر هذا الخيار وقتاً لمعالجة الأوضاع الداخلية وانتظار ظروف أكثر ملاءمة.
لكن مخاطره مرتفعة من زاوية الشرعية؛ فقد ينظر إليه باعتباره محاولة لتجنب انتخابات غير مضمونة النتائج، ويمكن أن يتحول التأجيل المؤقت تدريجياً إلى تأجيل مفتوح.
كما أنه قد يعفي الطرف الذي يهدد بتعطيل العملية من تحمل مسؤولية ذلك عملياً.
التقييم: الأقل ملاءمة وفق معايير الشرعية وتوزيع المسؤولية ومخاطر الاستدامة السلبية، ما لم يثبت تعذر الانتخابات فعلياً.
البديل الثالث: الاستمرار والاختبار ثم التأجيل المحدود عند الضرورة
يقوم هذا البديل على مواصلة العملية الانتخابية واستنفاد الإجراءات الفلسطينية المطلوبة، واختبار الموقف الإسرائيلي والدولي عملياً.
فإذا أمكن إجراء الانتخابات بصورة حرة وشاملة، تستمر العملية.
أما إذا ثبت وجود معيقات جوهرية تحول دون ذلك، فيصار إلى تأجيل محدود ومسبب، على أن يصدر قرار تحديد الموعد الجديد بالتزامن مع قرار التأجيل، لا في مرحلة لاحقة.
وتستخدم الفترة الانتقالية لإنجاز المتطلبات الضرورية للعملية الانتخابية، والتوافق على قواعدها، وتعزيز ضمانات قبول النتائج، ومعالجة ما يمكن معالجته من العقبات المؤسسية والسياسية.
التقييم: الأكثر توازناً وفق المعايير الخمسة؛ لأنه يجمع بين حماية مبدأ الانتخابات، والواقعية، وتحديد المسؤوليات، وتقليل مخاطر التأجيل المفتوح.
⸻
تاسعاً: الخيار السياساتي المفضل
توصي الورقة باعتماد البديل الثالث:
عدم المبادرة إلى تأجيل الانتخابات، والاستمرار في إجراءاتها واختبار إمكانية تنفيذها فعلياً، وإذا ثبت التعذر بعد استنفاد الإجراءات، الانتقال إلى تأجيل محدود ومسبب يصدر بالتزامن معه قرار ملزم يحدد الموعد الجديد.
ويحقق هذا الخيار هدفين متلازمين: منع تحول الاحتلال أو أي موقف خارجي إلى حق فيتو مسبق على الديمقراطية الفلسطينية، ومنع استخدام المعيقات الخارجية لتجنب استحقاقات داخلية تتعلق بالمنافسة والإصلاح وقبول النتائج.
⸻
عاشراً: الفترة الانتقالية وحدود مهمتها
إذا أصبح التأجيل اضطرارياً، فلا ينبغي النظر إلى الفترة الانتقالية باعتبارها مجرد انتظار لموعد جديد، كما لا ينبغي تحميلها مهمة حل جميع أزمات النظام السياسي قبل إجراء الانتخابات.
فالاشتراط المسبق لإنهاء الانقسام بالكامل وإصلاح جميع المؤسسات وإعادة بناء النظام السياسي ثم إجراء الانتخابات يمكن أن يحول هذه الأهداف المشروعة نفسها إلى مبررات لتأجيل جديد.
لذلك ينبغي أن تحكم المرحلة قاعدة واضحة:
إنجاز الحد الأدنى الضروري لضمان انتخابات قابلة للتنفيذ والمنافسة والقبول، وترك المؤسسات المنتخبة تستكمل عملية الإصلاح وإعادة البناء.
وتتركز الأولويات الانتقالية في ضمان قواعد المنافسة، وحرية العمل السياسي، واستقلال إدارة الانتخابات، وقبول النتائج، ومعالجة العقبات التي تحول مباشرة دون مشاركة القدس والضفة وغزة في عملية واحدة.
وفي الوقت نفسه، تبقى الانتخابات جزءاً من مسار أوسع يقوم على تجديد الشرعية، ووحدة الحكم، والإصلاح، وتعزيز مؤسسات دولة فلسطين وتجسيد سيادتها وإنهاء الاحتلال.
⸻
حادي عشر: الحوار الوطني المطلوب
إذا استدعت المرحلة حواراً وطنياً، فينبغي ألا يكون تكراراً للحوارات السابقة أو شرطاً مفتوحاً زمنياً أمام العودة إلى الانتخابات.
والقاعدة هنا:
لا حوار مفتوح زمنياً، ولا اتفاق بلا آلية تنفيذ.
وينبغي أن يركز الحوار على عدد محدود من القضايا: قواعد المرحلة الانتقالية، والموعد الجديد، وضمانات المنافسة، وقبول النتائج، والمتطلبات الضرورية لوحدة العملية الانتخابية.
ويمكن تنظيمه في مستويين:
مسار سياسي تنفيذي يضم القوى القادرة على اتخاذ القرارات والالتزام بتنفيذها.
ومسار وطني تمثيلي أوسع يضم الشباب والمرأة والشتات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والشخصيات المستقلة وممثلين عن التجمعات الفلسطينية المختلفة.
والهدف ليس إنتاج وثيقة توافق جديدة، وإنما اتفاق محدود وواضح وقابل للتنفيذ بجدول زمني ومسؤوليات وآلية متابعة.
⸻
ثاني عشر: مؤشرات الإنذار المبكر والمتابعة
يتطلب نجاح السياسة المقترحة متابعة مجموعة من المؤشرات التي تساعد على تحديد الاتجاه الفعلي للعملية.
وتشمل استمرار لجنة الانتخابات في تنفيذ الجدول الزمني؛ وفتح تسجيل القوائم في موعده؛ وطبيعة الرد الإسرائيلي على المتطلبات المتعلقة بالقدس والحركة والمواد الانتخابية؛ ومستوى العمليات العسكرية والإغلاقات واعتداءات المستوطنين؛ ومسار أموال المقاصة وقدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها المالية الأساسية؛ وتطور الضغوط الاقتصادية والاجتماعية؛ والمواقف الأمريكية والأوروبية والعربية العملية من الانتخابات وقبول نتائجها؛ ومدى استعداد الأطراف الدولية لتوفير المراقبة والضمانات اللازمة.
ويضاف إلى ذلك مؤشر بالغ الأهمية:
السلوك الفعلي للقوى السياسية تجاه الانتخابات.
فبدء تشكيل القوائم واختيار المرشحين وبناء التحالفات وتخصيص الموارد والاستعداد للحملات مؤشرات قد تكون أكثر دلالة من التصريحات العامة على توقع القوى لإجراء الانتخابات واستعدادها لها.
وكلما استمرت الإجراءات العملية وارتفع مستوى استعداد القوى، انخفض احتمال التأجيل السياسي المبكر.
أما تجميد الإجراءات قبل ظهور معيقات تنفيذية موثقة، فيرفع وزن الحسابات الداخلية في تفسير التأجيل.
وفي المقابل، فإن ظهور تعطيل إسرائيلي موثق بعد استكمال الاستعدادات الفلسطينية ينقل المسؤولية السياسية بصورة أوضح إلى الاحتلال.
ولا يعني تدهور أي مؤشر اقتصادي أو سياسي منفرد أن الانتخابات أصبحت مستحيلة، بل ينبغي النظر إلى الأثر التراكمي لهذه المؤشرات في صلاحية البيئة لإجراء عملية انتخابية حرة وتنافسية وشاملة.
⸻
ثالث عشر: القرارات السياساتية المقترحة
توصي الورقة بخمسة قرارات مترابطة:
أولاً: عدم المبادرة إلى التأجيل قبل استنفاد إمكانية إجراء الانتخابات واختبار المعيقات بصورة عملية وموثقة.
ثانياً: تحويل أي تعطيل إسرائيلي مثبت، وخصوصاً ما يتعلق بالقدس ووحدة العملية الانتخابية، إلى قضية سياسية ودبلوماسية، ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته في حماية حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم.
ثالثاً: إذا أصبح التأجيل اضطرارياً، يجب ألا يصدر قرار التأجيل منفصلاً عن قرار تحديد الموعد الجديد، بما يمنع الانتقال إلى تأجيل مفتوح.
رابعاً: قصر مهام الفترة الانتقالية على الحد الأدنى الضروري لضمان انتخابات حرة وتنافسية وقابلة للتنفيذ والقبول، وعدم اشتراط حل جميع أزمات النظام السياسي قبل العودة إلى الانتخابات.
خامساً: وضع الانتخابات التشريعية والرئاسية وتجديد المجلس الوطني حيثما أمكن ضمن مسار استراتيجي متدرج لتجديد الشرعية ووحدة الحكم والإصلاح وتعزيز مؤسسات دولة فلسطين وتجسيد سيادتها وإنهاء الاحتلال.
⸻
الخلاصة
لا ينبغي أن يبقى النقاش الفلسطيني أسير الثنائية بين إجراء الانتخابات في موعدها وتأجيلها.
فالمشكلة الأعمق هي قدرة النظام السياسي الفلسطيني على إنتاج الشرعية وتجديدها في ظل الاحتلال والانقسام وتراجع الثقة والضغوط السياسية والاقتصادية المحيطة.
إن المبادرة إلى التأجيل قبل اختبار إمكانية إجراء الانتخابات تحمل مخاطر سياسية وديمقراطية كبيرة، كما أن الإصرار على إجراء انتخابات غير قابلة للتنفيذ أو منقوصة جغرافياً قد لا يحقق أهدافها.
لذلك فإن الخيار الأكثر توازناً هو الاستمرار في العملية، واختبار المعيقات، وتحديد المسؤولية عن تعطيلها، ثم اللجوء، إذا أصبح التأجيل اضطرارياً، إلى تأجيل محدود يرتبط منذ لحظة إعلانه بموعد جديد ملزم.
ولا ينبغي استخدام الفترة الانتقالية لإعادة بناء النظام السياسي كله قبل الانتخابات، بل لإنجاز الشروط الضرورية لإجرائها، على أن تتولى المؤسسات المنتخبة استكمال مسار الإصلاح وإعادة البناء.
وبذلك تصبح الانتخابات جزءاً من استراتيجية وطنية أوسع لتجديد الشرعية، وتوحيد النظام السياسي، وتعزيز مؤسسات دولة فلسطين وتجسيد سيادتها وإنهاء الاحتلال.
وتتمثل القاعدة الاستراتيجية الحاكمة لهذا المسار في:
المطلوب ليس الاختيار بين الانتخابات والتأجيل، بل حماية القدرة الفلسطينية على إنتاج الشرعية وتجديدها؛ فلا يتحول الاحتلال إلى صاحب فيتو على الديمقراطية الفلسطينية، ولا تتحول المعيقات الخارجية إلى ذريعة لتأجيل الاستحقاقات الداخلية، ولا يصبح التأجيل الاضطراري بديلاً عن الانتخابات.