اغتيالات في زمن الهدنة: كيف يصل الاحتلال إلى قادة المقاومة في غزة؟
شارك الخبر عبر واتساب
مع استمرار دولة الاحتلال الإسرائيلي في سياسة الاغتيالات داخل قطاع غزة المدمَّر والمحاصر، وتصاعدها في الأسابيع الأخيرة رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ نحو عام، يتصدر سؤال المشهد الفلسطيني: كيف تصل إسرائيل إلى عناصر المقاومة وقياداتها في زمن الهدنة، بعدما أخفقت في ذلك خلال حرب الإبادة؟
وخلال الشهر الجاري وحده، اغتال جيش الاحتلال عدداً من أبرز القادة الميدانيين، إذ استهدف في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر قائد لواء خان يونس في كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح المسلح لحركة “حماس”، محمد اليازوري. وبعد خمسة أيام اغتال قائد كتيبة جباليا في الكتائب أحمد البطش، ثم أتبعه في اليوم التالي باغتيال قائد لواء رفح نائل أبو عبيد في غارة استهدفته في منطقة مواصي خان يونس جنوبي القطاع.
مساحة ضيقة وكثافة سكانية خانقة
يرى الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أن جزءاً من التفسير يكمن في الجغرافيا نفسها، إذ يتكدس سكان القطاع في مناطق محدودة لا تتجاوز نحو 30 بالمئة من مساحته، في ظروف بالغة القسوة تحيط بها آلاف الخيام واحتياجات يومية لا تنتهي.
ويوضح القرا لـ”عربي21″ أن الشخصيات المستهدفة موجودة ميدانياً منذ ثلاث سنوات، وهي لا تمارس عملاً مقاوماً بالمفهوم المباشر، بل تلتزم قراراً واضحاً بعدم تنفيذ أي عمل ضد الاحتلال احتراماً للهدنة، لكنها في المقابل تتحرك داخل “مناطق الضوء” ضمن تلك الرقعة الضيقة.
ويشدد على أن إسرائيل، في المقابل، لا تلتزم بوقف إطلاق النار، وأن هذه الاستهدافات لا ترتبط بدور حالي للمستهدفين، بل بأدوارهم السابقة، سواء في الاشتباكات خلال الحرب أو في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لافتاً إلى وجود إعلان إسرائيلي صريح باستهداف كل من شارك في ذلك اليوم أو خطّط له.
ويضيف القرا أن الاحتلال يملك قدرات تكنولوجية عالية، ويعتمد إلى جانبها على المتابعة عبر العملاء، وهو ما يسهّل وصوله إلى أهدافه.
دور المليشيات والعملاء
ولا يخفي القرا ما يصفه بالدور “القبيح والسيئ” للمليشيات المسلحة، التي تمارس دوراً مباشراً في قتل عناصر المقاومة وخطفهم وملاحقتهم، مشيراً إلى مشاركات علنية نجحت في بعض الحالات باستهداف عناصر من الشرطة والأجهزة الأمنية والمقاومة، وفي مطاردة عناصر من “القسام” بقوا في مدينة رفح بعد اجتياحها.
لكنه يميّز بين وجود عملاء أدّوا دوراً في رصد المقاومين، وبين الحديث عن خلايا كبيرة أو انتشار واسع لهذه الظاهرة، مؤكداً أن المجتمع لا يزال محصّناً إلى حد كبير، وأن للاستهدافات أبعاداً أخرى تكنولوجية، عبر طائرات الاستطلاع أو زرع أجهزة تجسس.
تقنيات أميركية وأخطاء ميدانية
من جانبه، يقارب المختص في الشؤون الإسرائيلية مأمون أبو عامر المسألة من زاويتين: تقنية وتنظيمية. فالاحتلال، وفق حديثه لـ”عربي21″، يستخدم وسائل تقنية عالية الجودة في الرقابة والرصد داخل القطاع، بفضل حجم المساعدات التي تلقّاها من شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة.
ويشير إلى أخطاء يرتكبها بعض القادة والمسؤولين تتعلق بمعلومات استخباراتية أثناء محاولات التضليل، تتقاطع مع وجود عملاء على الأرض وأدوات رصد في السماء، إضافة إلى دور المليشيات العميلة.
ويعتبر أبو عامر أن العملاء على الأرض هم الأخطر، إذ يرصدون أشخاصاً بعينهم، فيما حصل الاحتلال على معلومات إضافية من أرشيف للمقاومة عثر عليه، ومن اعترافات انتُزعت من معتقلين تحت التعذيب. ويلفت إلى أن الاحتلال يشغّل عملاء داخل القطاع وآخرين خلف “الخط الأصفر” الخاضع لسيطرته، لجلب المعلومات إلى الداخل.
هندسة الفوضى
ويطرح أبو عامر قراءة لافتة، مفادها أن عمليات تحريك السكان والضغط عليهم قد تهدف إلى العثور على شخصيات بعينها، إذ تتيح إعادة توزيع السكان فرصة لزرع عملاء في مناطق يريد الاحتلال الوصول إليها. بل إن الاحتلال، بحسبه، ينفّذ أحياناً استهدافات غير مفهومة في منطقة ما، فيخلق حالة فوضى تسمح له بإعادة ترتيبها واختراقها عبر أدواته، وإعادة تشكيل البيئة الاجتماعية بما يمكّنه من مراقبة كوادر المقاومة.
ولا يستبعد وجود تنسيق بين العملاء داخل القطاع وأولئك المتمركزين شرقي “الخط الأصفر”، سواء لتبادل المعلومات أو لتأمين تحركات وحدات إسرائيلية خاصة وفتح الطريق أمامها. ويخلص إلى أن غزة أمام مرحلة معقدة يلعب فيها العامل البشري دوراً كبيراً، خصوصاً أن “الخط الأصفر” يشكّل ملاذاً لأي عميل ينكشف أمره، إذ يمكنه التواصل مع مشغّليه والفرار إلى المنطقة الخاضعة لسيطرة قوات الاحتلال.
صراع أمني متواصل
ميدانياً، تتوالى مؤشرات هذا الصراع الأمني. فقد تمكنت قوة إسرائيلية خاصة في وقت سابق من اختطاف الضابط في أجهزة الأمن بغزة معين العرابيد، وفرّت من المكان فور انكشاف أمرها بغطاء من الطيران الحربي.
وبحسب ما أوردته منصة “رادع”، أكدت مصادر أمنية أن عملاء للاحتلال اختطفوا أحد المقاومين من وسط القطاع، وأنه جرى تحديد هوياتهم، مع تثمين مبادرة المواطنين إلى تسليم مقتنيات المنفذين وتقديم معلومات عن ملابسات الجريمة. وأشارت إلى أن “العصابات العميلة” تواصل محاولات الاختطاف، إذ اقتحمت عناصر منها أحد مراكز الإيواء القريبة من “الخط الأصفر” واختطفت 16 مواطناً، بالتزامن مع تحليق مكثف لطائرات الاحتلال، فيما كان المنفذون يتلقون توجيهات مباشرة عبر جهاز لاسلكي من ضابط في مخابرات الاحتلال.
كما كشفت المصادر عن اعتقال عميل مقرّب من كبار العملاء في تلك المجموعات بمساعدة المواطنين في الرابع من آب/أغسطس 2026، ومصادرة أسلحة وأموال بحوزته، مؤكدةً إحباط محاولات اختطاف عدة، بينها محاولة استهدفت أحد المقاومين في “سرايا القدس” في القرارة بخان يونس، وأخرى في جباليا.
وفي السياق ذاته، كشفت اعترافات العميل “م”، الذي تسبب في اغتيال قائد “كتائب القسام” عز الدين الحداد، عن ارتباطه بمخابرات الاحتلال منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023. كما تحدثت الأجهزة الأمنية عن تفاصيل إعدام المليشيات للمواطن سائد ورش أغا (37 عاماً) قرب منزله بجوار نادي بيت لاهيا شمال القطاع، موضحةً أنه وفق التحقيقات مع عدد من العملاء، أقدم العميل “شفيق ك” على إعدامه أثناء قيام عصابة العميل أشرف المنسي بتفجير منزلين لعائلة حمودة في المنطقة.
عين لا تفارق السماء
وتتوقف الأجهزة الأمنية عند دور الطائرة الإسرائيلية “تزوفيت”، واصفةً إياها بأنها “عين لا تغادر سماء غزة”، ومهمتها لا تقتصر على التصوير، بل تشكّل جزءاً من منظومة ISTAR لجمع المعلومات والاستطلاع والمراقبة، عبر مستشعرات كهروبصرية وإلكترونية تنقل البيانات للتحليل أثناء المهمة. وتكمن خطورتها في جمع المعلومات من الجو ودمجها مع مصادر استخباراتية أخرى، لبناء صورة أكثر تفصيلاً عمّا يجري على الأرض.