أكياس رمل تتحول سواتر لحماية نازحي غزة من رصاص الخط الأصفر
شارك الخبر عبر واتساب
الخبر
لجأ نازحون في قطاع غزة، في مناطق قريبة مما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، إلى تكديس أكياس الرمل داخل خيامهم على شكل جدران وسواتر بدائية، في محاولة لحماية أطفالهم وأسرهم من رصاص الاحتلال الإسرائيلي الذي بات يتسلل إلى خيامهم في أي لحظة.
وبعدما عجزت أقمشة الخيام الرقيقة عن حجب الرصاص، بات عشرات النازحين يصطفون أكياس الرمل داخل خيامهم القماشية والبلاستيكية، بمحاذاة الجهة التي تنطلق منها النيران، بعد تسجيل إصابات ووفيات في صفوف مدنيين، بينهم أطفال، جراء إطلاق نار باتجاه مناطق نزوحهم.
ويقول هاني شقفة (55 عاماً)، النازح من حي السعودي في رفح إلى الحي النمساوي في خان يونس، إنه يعيش مع أسرته المكونة من سبعة أفراد داخل خيمة، وإن نجله إبراهيم، البالغ سبع سنوات، أصيب قبل نحو أسبوعين برصاص أطلقته آليات عسكرية إسرائيلية متمركزة على بعد نحو 500 متر من الخيمة، بمحاذاة الخط الأصفر.
ويروي شقفة: “كان ابني نائماً عندما أصابته الرصاصة، وأمضى أسبوعين في العناية المركزة، بعدما اخترقت رصاصة أُطلقت من دبابة جسده واستقرت في رئته وخضع لعملية جراحية كادت تودي بحياته”، مضيفاً أنه أحضر نحو 50 كيس رمل وصفّها جداراً في مواجهة الآليات العسكرية الإسرائيلية. ويقول: “للأسف، لا مكان آمناً نذهب إليه، فغزة كلها في مرمى الخطر. لم أعد أنام ليلاً من شدة خوفي على أطفالي، بعدما حدث مع إبراهيم”.
وفي مخيم حلاوة بجباليا شمالي القطاع، لجأ كمال خلة (32 عاماً) إلى الوسيلة ذاتها، قائلاً: “أصيب العشرات من أبناء مخيم حلاوة مؤخراً، بسبب قربه من الخط الأصفر. إطلاق النار العشوائي أصبح أمراً يومياً نعاني منه، ونخشى على حياتنا وحياة أطفالنا”، مضيفاً: “اضطررنا إلى إحضار عشرات أكياس الرمل ووضعها كسواتر ترابية في مواجهة الرصاص، حتى لا يخترق الخيام والشوادر التي نعيش فيها”، و”نرص أكياس الرمل فوق بعضها بعضاً بصورة رأسية”.
ولا تقتصر المخاوف على إصابات عابرة، فقد شهد القطاع حوادث أودت بحياة أطفال وفتيات أثناء ممارستهم حياتهم اليومية؛ ففي تشرين الأول الماضي استشهدت الطفلة شهد عبد نعمان النجار برصاص استهدف خيام النازحين في جباليا بينما كانت تؤدي واجباتها المدرسية، كما استشهدت الطفلة تهاني محمد سعيد شلالفة (6 أعوام) برصاص أطلق باتجاه مواصي خان يونس.
وفي 22 تشرين الأول الماضي، استشهدت الطالبة رفيف لبد (17 عاماً) برصاص قناص إسرائيلي، بينما كانت على سطح منزلها في منطقة الفالوجا بجباليا. ويقول والدها رائد لبد (48 عاماً)، وهو أب لثمانية أبناء، إن أسرته تسكن على بعد نحو 400 متر من الخط الأصفر بالقرب من مواقع عسكرية إسرائيلية.
ويروي لبد تفاصيل اليوم: “عادت رفيف من مدرستها نحو الساعة الواحدة ظهراً، وبدلت ملابسها، ثم علمت أن والدتها أعدت العجين، فقررت الصعود إلى سطح المنزل لخبزه في فرن الطين”، مضيفاً: “صعدت معها إلى السطح، وبينما كنت أملأ خزان المياه، كانت هي تجهز لإشعال الفرن. كانت المسافة بيننا نحو عشرة أمتار. وفجأة سمعت صوت شيء انفجر، ولم يخطر ببالي أن رفيف أصيبت”.
ويتابع: “اعتقدت في البداية أنها وضعت شيئاً في فرن النار فانفجر، لكن بعد ثوانٍ ركضت نحوي واحتضنتني وارتمت في حضني. ظننت أنها خافت من صوت الانفجار، فربتُّ عليها لأطمئنها، ولم أكن أعلم أن ابنتي أصيبت إصابة قاتلة”، ويضيف: “حاولت إسعافها بوضع العطر قرب أنفها، لكن دون جدوى. وعندما أضجعتها على ظهرها، رأيت بركة من الدماء تحتها، فأدركت أن إصابتها خطيرة. حملناها إلى المستشفى، وهناك أُعلن استشهادها”.
ويقول لبد إن الرصاصة التي استشهدت بها ابنته من عيار 250 بحسب ما أُبلغ، وما زالت الأسرة تحتفظ بها ذكرى لها، مشيراً إلى أن عائلته فقدت 15 شخصاً، بينهم والدته، منذ بداية الحرب، فيما فقدت زوجته 32 شخصاً من أفراد عائلتها.
وبحسب تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” نشر في حزيران 2026، فإن المناطق الخاضعة لقيود الوصول في قطاع غزة بلغت نحو 65% من مساحته، ما أدى إلى حصر السكان في مساحة محدودة ومكتظة وسط استمرار النزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية.
وظهر “الخط الأصفر” بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار التي دخلت حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول 2025، باعتباره خطاً يحدد مناطق انتشار القوات الإسرائيلية، غير أن تقارير أممية وثقت تحركات متكررة لهذا الخط باتجاه المناطق المأهولة وتوسّع القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين.
ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تحقق المكتب من مقتل 331 فلسطينياً في محيط الخط الأصفر حتى نهاية تموز 2026، بينهم 66 طفلاً و27 امرأة، مشيراً إلى أن بعض الضحايا قتلوا أثناء ممارسة أنشطة مدنية اعتيادية، ومنهم من استشهد داخل خيامه.
وأفادت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، في تقرير صادر في 22 تشرين الأول الماضي، بإصابة ستة نازحين على الأقل، بينهم طفل، ومقتل شخص داخل مرافق تابعة لها، في حوادث ارتبط معظمها بالرصاص الطائش.
في سياق متصل
ما وراء الخبر
تحوّل أكياس الرمل، المستخدمة عادة لتثبيت الخيام، إلى سواتر دفاعية يعكس اتساع نطاق القيود العسكرية المعروفة بالخط الأصفر، وتوثّق تقارير أممية مقتل مئات الفلسطينيين في محيطه رغم أنه نشأ أصلاً كخط لتحديد انتشار القوات لا كخط تماس دائم.