آخر الأخبار

أقلام

غادي آيزنكوت والاقتصاد الفلسطيني: ماذا يمكن أن يتغير فعلاً إذا قاد إسرائيل؟

شارك الخبر عبر واتساب
غادي آيزنكوت والاقتصاد الفلسطيني: ماذا يمكن أن يتغير فعلاً إذا قاد إسرائيل؟

إذا ظل منع انهيار السلطة الفلسطينية جزءًا من رؤية آيزنكوت الأمنية، فإن الاختبار الاقتصادي لأي حكومة يقودها سيكون في قدرتها على جعل حركة الفلسطينيين والعمال والبضائع والإيرادات والأموال أكثر استقرارًا وقابلية للتنبؤ.

إذا قاد غادي آيزنكوت الحكومة الإسرائيلية المقبلة، فما الذي يمكن أن يتوقعه الفلسطينيون منه اقتصاديًا بصورة واقعية؟

ينبغي ألا يبدأ السؤال من افتراض أن رئيس حكومة إسرائيليًا يستطيع وحده أن “يحل” مشكلات الاقتصاد الفلسطيني. فهذا الاقتصاد يعتمد أيضًا على إصلاحات فلسطينية، واستثمارات، وقطاع خاص قادر على العمل والنمو، ودعم دولي. لكن الحالة الفلسطينية تختلف عن اقتصاد مستقل يمتلك سياسات نقدية وتجارية وسيادية كاملة؛ فالاقتصاد الفلسطيني مرتبط بنيويًا وبدرجة عالية بالاقتصاد الإسرائيلي، وهو ارتباط ترسخ منذ بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، الذي نظم جانبًا واسعًا من العلاقات التجارية والضريبية والجمركية والنقدية بين الجانبين، بما في ذلك ترتيبات التجارة وضريبة القيمة المضافة والمقاصة وحركة العمل.

ويظهر هذا الارتباط في تفاصيل الحياة الاقتصادية اليومية. فالشيقل هو العملة الأكثر استخدامًا في المعاملات الفلسطينية، وأموال المقاصة تشكل مصدرًا رئيسيًا للإيرادات العامة، وجزء مهم من حركة الاستيراد والتصدير يمر عبر منافذ تخضع لإجراءات وسيطرة إسرائيلية، فيما يعتمد فلسطينيون كثيرون على الوصول إلى سوق العمل الإسرائيلي. كما ترتبط البنوك الفلسطينية بالنظام المالي الإسرائيلي من خلال المراسلة المصرفية، وتواجه في الوقت نفسه مشكلة ترحيل فائض الشيقل.

ولهذا فإن السياسة الإسرائيلية لا تؤثر في الاقتصاد الفلسطيني من خلال قرار واحد، بل عبر سلسلة مترابطة من المفاصل: العمل داخل إسرائيل، والحواجز والبوابات، والمعابر، وحركة التجارة، وأموال المقاصة، والمراسلة المصرفية، وترحيل فائض الشيقل. وأي اضطراب في إحدى هذه الحلقات يمكن أن ينتقل سريعًا إلى بقية الاقتصاد: من المالية العامة إلى البنوك، ومن البنوك إلى الشركات، ومن الشركات إلى العامل والأسرة.

وهنا توجد نقطة بداية مهمة في سجل آيزنكوت نفسه. ففي سبتمبر/أيلول 2022، نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” عنه تحذيره من أن تفكيك السلطة الفلسطينية وضم الضفة الغربية يمكن أن يقودا إسرائيل إلى “كارثة”. وقد سبق ذلك التصريح 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والتحولات السياسية والأمنية التي أعقبته، ولذلك لا ينبغي التعامل معه باعتباره برنامجًا حكوميًا لعام 2026. لكنه يُظهر أن منع انهيار السلطة الفلسطينية كان، في ذلك الوقت، منسجمًا مع تفكيره الأمني والمؤسساتي.

وتتجاوز أهمية هذه المسألة بقاء مؤسسة سياسية بعينها. فإضعاف المؤسسات الفلسطينية أو تفكيكها يفتح أسئلة أوسع حول قدرة المجتمع الفلسطيني على الحفاظ على ترابطه الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي، خصوصًا في ظل القيود على الحركة والوصول إلى الأراضي والموارد وصعوبة التواصل بين المناطق الفلسطينية. ومع تعمق التفكك المؤسسي والجغرافي، قد تصبح قدرة الاقتصاد على العمل ضمن شبكة مترابطة أكثر صعوبة، وتتزايد عزلة التجمعات الفلسطينية اقتصاديًا واجتماعيًا.

ومن هنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر تحديدًا: إذا كان منع انهيار السلطة الفلسطينية، كما عبّر عنه آيزنكوت في سياقه الأمني السابق، يخدم مصلحة إسرائيلية من وجهة نظره، فهل يمكن فصل هذا الهدف عن الاقتصاد الذي يسمح لهذه السلطة بدفع الرواتب، وتقديم الخدمات، والحفاظ على عمل مؤسساتها، وعن المجتمع الذي يحتاج إلى العمل والحركة والتجارة والوصول إلى المال؟

وأول اختبار عملي لهذا السؤال يظهر في ملف العمال الفلسطينيين.

ففي مقابلة نشرتها صحيفة «إسرائيل هيوم» في 27 أغسطس/آب 2026، تناول آيزنكوت القيود الواسعة المفروضة على دخول العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل من زاوية أمنية. وقال إن منع العمال لم يمنع دخول فلسطينيين بصورة غير قانونية ومن دون رقابة، ورأى أن منح أرباب أسر تصاريح للدخول بعد الفحص الأمني وتحت إشراف جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» سيكون أكثر منطقية من استمرار الوضع القائم.

لكن من المهم ألا ننسب إلى آيزنكوت أكثر مما قاله. فهو لم يعلن إعادة فتح شاملة لسوق العمل الإسرائيلي أمام الفلسطينيين، ولم يحدد عددًا للعمال الذين قد يسمح لهم بالعودة، كما لم يقدم جدولًا زمنيًا للتنفيذ. فالموقف الذي طرحه ينطلق أساسًا من اعتبارات أمنية، حتى وإن كانت له، إذا طُبق، آثار اقتصادية مباشرة على الأسر التي تعتمد على هذا الدخل.

وهنا تتحول السياسة الأمنية سريعًا إلى اقتصاد أسرة. فعودة العامل إلى عمله لا تعني مجرد استعادة وظيفة؛ بل قد تعني عودة دخل إلى المنزل، وقدرة أكبر على شراء الغذاء والدواء، وتسديد الديون والالتزامات، وتحريك جزء من الطلب داخل السوق الفلسطينية.

وتعكس نتائج PCPO حجم هذه المسألة في نظر الفلسطينيين؛ إذ اعتبر 59.9% تقييد العمل داخل إسرائيل وانخفاض التصاريح من أبرز التحديات الاقتصادية، فيما أشار 79.3% إلى البطالة وقلة فرص العمل، و70.2% إلى انخفاض الدخل وضعف القدرة الشرائية. وهذه النتائج تعبر عن تقييم الجمهور للضغوط الاقتصادية التي يواجهها، ولا تمثل معدلات بطالة رسمية.

لكن إعادة العمال، مهما كانت مهمة، لا تعيد وحدها الدورة الاقتصادية إلى طبيعتها.

فالعامل الذي يحصل على تصريح يحتاج أيضًا إلى الوصول إلى مكان عمله في وقت يمكن توقعه. والشركة تحتاج إلى وصول موظفيها وموادها الخام. والتاجر يحتاج إلى نقل بضاعته. والمصنع يحتاج إلى معرفة متى ستصل شاحنته ومتى ستغادر.

ومن هنا ننتقل إلى الحلقة الثانية في الدورة نفسها: الحواجز والبوابات. فهي ليست مسألة حركة وأمن فقط، بل جزء مباشر من كلفة الاقتصاد الفلسطيني ومن قدرته على العمل والتخطيط والاستثمار.

ففي 23 أبريل/نيسان 2026، نشر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» نتائج مسح ميداني أجري في ديسمبر/كانون الأول 2025، وثق فيه 925 عائقًا للحركة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، من بينها 89 حاجزًا يعمل على مدار الساعة، و218 حاجزًا جزئيًا، و232 بوابة طريق. كما وثق أن 459 من هذه العوائق تمنع أو تعرقل الوصول بين التجمعات الفلسطينية والطرق الرئيسية، وتدفع الحركة إلى طرق أطول وتؤثر في الوصول إلى أماكن العمل والخدمات.

وبالنسبة إلى القطاع الخاص، الحاجز ليس مجرد انتظار.

إنه عامل يصل متأخرًا، وشاحنة تضطر إلى تغيير مسارها، ومواد خام قد لا تصل في موعدها، وشركة لا تستطيع أن تعد زبائنها بموعد تسليم يمكن الاعتماد عليه. ولهذا وضع 62.8% من المشاركين في استطلاع لـ PCPO القيود على الحركة والتنقل ضمن أبرز التحديات الاقتصادية.

ويمتد الأمر إلى ما هو أبعد من الحركة داخل الضفة الغربية.

فـمعبر الكرامة/جسر الملك حسين يمثل منفذًا بريًا رئيسيًا للفلسطينيين نحو الأردن والعالم الخارجي. ووفق ما أعلنته الهيئة العامة للمعابر والحدود ونقلته وكالة “وفا” في 27 أغسطس/آب 2026، فمن المقرر أن تعود ساعات العمل المعتادة وفق الترتيبات الفلسطينية المعلنة في 22 سبتمبر/أيلول إلى الثامنة صباحًا وحتى الواحدة والنصف ظهرًا في كلا الاتجاهين، بعد ترتيبات خاصة بفترة الأعياد. وفي المقابل، تنشر سلطة المطارات الإسرائيلية ساعات تشغيل مختلفة للجانب الإسرائيلي بحسب اليوم واتجاه السفر، وتفيد بأن المعبر مغلق يوم السبت.

وهذا التفصيل مهم، ليس فقط لتوضيح اختلاف ترتيبات التشغيل بين الجانبين، وإنما لما يعنيه اقتصاديًا. فبالنسبة إلى المسافر، قد يكون الأمر ساعات من الانتظار؛ أما بالنسبة إلى التاجر أو رجل الأعمال أو المريض أو الطالب، فقد يعني صعوبة في التخطيط. وبالنسبة إلى الاقتصاد، يعني عدم يقين.

وتوضح نتائج PCPO مدى ارتباط الحركة بالمستقبل في نظر الفلسطينيين؛ إذ اختار 70.6% تسهيل حرية الحركة والتنقل، و70.2% تشغيل جسر الملك حسين والمعابر الأخرى على مدار أربع وعشرين ساعة وتقليص فترات الانتظار، فيما اختار 69.9% إزالة الحواجز العسكرية داخل الضفة الغربية أو تقليصها.

لكن اللافت أن الجمهور لم يضع الحركة في مواجهة الأمن. فعندما طُلب من المشاركين المفاضلة بين حرية الحركة وبين الأمن والاستقرار، رأى 68.3% أن كليهما متساويان في الأهمية.

وهذه نتيجة ذات دلالة عند الحديث عن آيزنكوت، وهو رئيس أركان سابق تشكلت خبرته بدرجة كبيرة داخل المؤسسة الأمنية. فالسؤال الاقتصادي ليس ما إذا كانت الاعتبارات الأمنية ستختفي، بل ما إذا كان يمكن إدارتها بطريقة تقلل في الوقت نفسه عدم اليقين والكلفة التي يتحملها الناس والشركات.

ومن حركة الإنسان والبضاعة نصل إلى حركة الإيراد العام: أموال المقاصة. وربما يكون هذا الملف الاختبار المالي الأكثر مباشرة لفكرة منع انهيار السلطة.

فبحسب تحليل نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 2026، تراجعت أموال المقاصة التي وصلت فعليًا إلى السلطة بعد الاقتطاعات من نحو 8.8 مليارات شيقل عام 2022 إلى 7.9 مليارات في 2023، ثم 4.4 مليارات في 2024 ونحو ملياري شيقل في 2025، بينما تجاوزت الأموال المحتجزة أربعة مليارات شيقل في العام نفسه. وفي المقابل، أشار المعهد إلى أن ارتفاع المساعدات الخارجية وآليات تمويل بديلة عوض جزءًا مهمًا من تراجع الإيرادات وساعد السلطة على مواصلة العمل.

وهذه النقطة مهمة لأنها تمنع اختزال الأزمة الاقتصادية كلها في المقاصة وحدها. لكن المقاصة، في الوقت نفسه، توضح كيف ينتقل رقم في المالية العامة إلى حياة إنسان.

فخلف ميزانية الحكومة توجد ميزانية أسرة.

وفي استطلاع أجرته PCPO وشمل 503 فلسطينيين بين 24 يونيو/حزيران و5 يوليو/تموز 2026، قال 83.5% إن تأخر الرواتب أو انخفاضها أدى إلى تغيير نمط إنفاق أسرهم، ولم يقتصر الأثر على المصروفات غير الضرورية، بل امتد إلى الغذاء والعلاج والتعليم وفواتير الخدمات والقروض والديون.

وحتى الآن، لم يعلن آيزنكوت سياسة محددة بشأن المقاصة. ولذلك لا توجد قاعدة تسمح بالقول إنه سيعيد الأموال المحتجزة أو يوقف الاقتطاعات.

لكن إذا ظل منع انهيار السلطة جزءًا من منطقه الاستراتيجي، فسيظهر سؤال يصعب تجاهله: كيف يمكن الحفاظ على مؤسسة بينما يبقى مصدر دخلها الرئيسي غير مستقر؟

ومن الإيراد العام نصل إلى حركة المال نفسه. وهنا تظهر المشكلة في المراسلة المصرفية.

ففي 1 سبتمبر/أيلول 2026، أفادت وكالة رويترز بأن بنك هبوعليم وبنك ديسكونت الإسرائيلي سيواصلان تقديم خدمات المراسلة المصرفية للبنوك الفلسطينية حتى نهاية عام 2026. وتمر عبر هذه العلاقات معاملات تبلغ قيمتها نحو 51 مليار شيقل سنويًا، في حين يعتمد نحو 90% من التجارة الفلسطينية على الوصول إلى النظام المالي الإسرائيلي. كما نقلت رويترز عن نائب محافظ بنك إسرائيل، أندرو أبير، قوله إن الحكومة الإسرائيلية المقبلة ستحتاج إلى إيجاد حل طويل الأجل لهذه القضية.

وهذه ليست مجرد مسألة مصرفية تقنية. فهذه القنوات تساعد في معالجة المدفوعات المرتبطة بالتجارة والاستيراد والوقود والأدوية والسلع الأساسية. وفي استطلاعات PCPO، قال 65.7% من المشاركين الذين قدموا إجابات صالحة إن القيود المصرفية كان لها تأثير كبير أو كبير جدًا في قدرة الشركات على مواصلة العمل، وترتفع النسبة إلى 88.3% عند إضافة من أفادوا بأن التأثير كان متوسطًا.

وترتبط بذلك ارتباطًا وثيقًا مشكلة فائض الشيقل. فعندما تتراكم كميات كبيرة من النقد في البنوك الفلسطينية ولا يمكن ترحيلها بصورة منتظمة، ترتفع كلفة إدارة السيولة ويتزايد الضغط داخل النظام المالي. ويمكن للمدفوعات الإلكترونية أن تقلل الاعتماد على النقد، لكنها، كما يشير تحليل PCPO، لا تحل مشكلات أموال المقاصة، ولا تحل محل المراسلة المصرفية، ولا توفر بمفردها العملات الأجنبية اللازمة للتجارة.

وهنا تبدأ المشكلات التي تبدو منفصلة في الاندماج لتشكل قصة اقتصادية واحدة وأكثر ترابطًا.

العمال، والحواجز، والمعابر، وأموال المقاصة، والبنوك، وفائض الشيقل ليست أزمات منفصلة. إنها حلقات في دورة اقتصادية واحدة.

فعندما تتراجع الإيرادات، تتأثر الرواتب. وعندما تتأخر الرواتب، تقلل الأسر إنفاقها. وعندما يضعف الطلب، تتراجع مبيعات الشركات وتضعف قدرتها على التوظيف والاستثمار. وعندما لا يستطيع العمال والبضائع الحركة بصورة يمكن التنبؤ بها، ترتفع التكاليف. وعندما لا تتحرك الأموال بصورة طبيعية عبر النظام المصرفي، تتراكم الضغوط في أجزاء أخرى من الاقتصاد.

وهذا ما يمكن وصفه بـ «الدورة الاقتصادية الفلسطينية المقيّدة»: اقتصاد لا تتشكل فيه أنماط الإنتاج والاستهلاك والاستثمار بفعل قوى السوق العادية وحدها، بل أيضًا بفعل القيود المتكررة على حركة العمال والبضائع والإيرادات والنقد والائتمان.

ويبدو أن الفلسطينيين أنفسهم يدركون أن إجراءً واحدًا لا يكفي. ففي استطلاع لـ PCPO شمل 503 مشاركين، اختار 49.3% حزمة متكاملة تجمع بين دعم القطاع الخاص، وحل أزمة أموال المقاصة، واتخاذ إجراءات لمعالجة فائض الشيقل، ودعم المشروعات الصغيرة.

كما أن الآثار لا تتوقف عند حدود الدخل والسوق.

ففي استطلاع آخر لـ PCPO، وافق 90% على أن تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع البطالة قد يزيدان مشاعر الإحباط والتطرف لدى بعض الأفراد. وهذه النتيجة لا تثبت أن الفقر أو البطالة يسببان التطرف، ولا تعني أن العاطلين عن العمل أكثر ميلًا إليه. إنها تقيس تصور الجمهور بأن الانسداد الاقتصادي الممتد وغياب الفرص يمكن أن يساهما في زيادة الإحباط والتوتر الاجتماعي.

وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأ منه المقال.

إذا قاد آيزنكوت إسرائيل، فإن الاختبار الاقتصادي الحقيقي لن يكون ببساطة:

كم عدد العمال الفلسطينيين الذين سيعودون؟

الاختبار سيكون أوسع من ذلك: هل سيتمكن العمال والبضائع من الحركة بدرجة أكبر من الاستقرار والقدرة على التنبؤ؟ وهل تصبح أموال المقاصة أقل عرضة للصدمات المتكررة؟ وهل تنتقل المراسلة المصرفية من تمديدات مؤقتة إلى ترتيب مستدام؟ وهل تتم إدارة فائض الشيقل من خلال آلية قابلة للتطبيق؟ وهل تستطيع الشركات الفلسطينية أن تبدأ بالتخطيط للاستثمار بدلًا من الاضطرار، مرة بعد أخرى، إلى التخطيط حول الأزمة التالية؟

ولا توجد حاليًا أدلة على أن آيزنكوت قد التزم بتنفيذ كل هذه التغييرات. فأوضح مواقفه العلنية يتعلق بالعمال. أما أموال المقاصة، والمراسلة المصرفية، وفائض الشيقل، والحواجز، والمعابر، فلا يوجد حتى الآن برنامج شامل منشور له بشأنها. وحتى إذا أصبح رئيسًا للحكومة، فإن التنفيذ سيعتمد على شركاء الائتلاف، والوزارات، والمؤسسات الأمنية، وبنك إسرائيل، وجهات أخرى — وليس على رئيس الحكومة وحده.

لكن هذه الملفات توفر معيارًا واقعيًا وقابلًا للقياس يمكن من خلاله تقييم أي سياسة مستقبلية.

فإذا ظل منع انهيار السلطة الفلسطينية جزءًا من التفكير الاستراتيجي لآيزنكوت، فلا ينبغي أن يقتصر الاختبار على منع لحظة الانهيار الأخيرة، بل يمتد إلى السؤال عما إذا كانت السياسات تسمح للمؤسسات والاقتصاد والمجتمع المحيط بها بالعمل قبل الوصول إلى تلك النقطة.

والاستقرار الاقتصادي ليس بديلًا عن الحقوق السياسية أو عن تسوية سياسية. وتعكس استطلاعات PCPO نفسها هذا التمييز؛ إذ قال 83.8% إن الاستقرار الاقتصادي الفلسطيني يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة. وبذلك يصبح الاقتصاد أحد عناصر مستقبل أكثر استدامة، وليس بديلًا عن القضايا السياسية الأساسية.

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن معنى التغيير سيكون في نهاية المطاف أقل تجريدًا بكثير.

سيظهر عندما يستطيع العامل الوصول إلى عمله، والموظف الحكومي الاعتماد على راتبه، والتاجر عبور الجسر وتحويل أمواله، والشركة إيصال بضائعها وفق جدول يمكن التنبؤ به، والبنك تسوية مدفوعاته، والأسرة أو الشاب التخطيط للغد بقدر أقل من الخوف من أن يؤدي اختناق اقتصادي جديد إلى إغلاق الطريق أمامهم بصورة مفاجئة.